من هم سكان حلب الأصليين؟

معلومة

من هم سكان حلب الأصليين؟

مدينة حلب من أقدم المدن المأهولة في العالم، إذ تشير تقديرات اليونسكو إلى أن عمر الاستيطان فيها يتجاوز 12 ألف سنة. بحكم موقعها الاستراتيجي على مفترق طرق التجارة بين الشرق والغرب، مرّت على المدينة حضارات وأقوام متعاقبة منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، من الحثيين والآشوريين والفرس إلى السلوقيين (الذين عرفوها باسم "بيرية") ثم الرومان والبيزنطيين. لذلك لا يوجد "شعب أصلي" واحد بالمعنى الدقيق، بل طبقات متراكمة من السكان امتزجت عبر آلاف السنين، وصولًا إلى التركيبة العربية الإسلامية التي تشكل الغالبية اليوم.

الفتح الإسلامي وبداية الطابع العربي للمدينة

نقطة التحول الكبرى في الطابع العربي لحلب كانت الفتح الإسلامي عام 637م (16 هـ)، حين دخلتها الجيوش الإسلامية بقيادة أبي عبيدة بن الجراح كقائد عام، وبمشاركة عياض بن غنم وخالد بن الوليد، بعد مواجهة الحامية البيزنطية التي كانت تتحصن في المدينة وقلعتها. استسلمت الحامية البيزنطية بعد معارك محدودة، وأدى الفتح إلى تحول لغوي وثقافي تدريجي: حلّت اللغة العربية الفصحى محل السريانية التي كانت سائدة قبل ذلك، واندمجت المدينة في المنظومة الثقافية والإدارية الإسلامية. منذ ذلك الحين استقرت فيها موجات من القبائل العربية، وأصبح العرب هم المكوّن الرئيسي لسكانها.

بلغت حلب أوج ازدهارها الثقافي في العصر الحمداني في القرن العاشر الميلادي، حين كانت عاصمة سيف الدولة الحمداني ومركزًا جذب العلماء والشعراء والفنانين، قبل أن تنتقل لاحقًا بين حكم دول وسلالات متعددة، ومنها العصر العثماني الذي رفع مكانتها لتصبح ثالث أهم مدينة في الدولة العثمانية بعد إسطنبول والقاهرة.

التركيبة العرقية والدينية لسكان حلب

يعيش في حلب اليوم مزيج من الأعراق والطوائف تشكّل عبر قرون من الهجرة والاستيطان المتتابع:

المكوّنملاحظات
العرب المسلمون السنّةيشكلون الغالبية العظمى من السكان (نحو 85% بحسب تقديرات متداولة)
المسيحيونثاني أكبر تجمع مسيحي في المنطقة بعد بيروت، ويتوزعون على طوائف عدة (سريان، أرمن، موارنة، روم كاثوليك وأرثوذكس، كلدان)، وتضم المدينة نحو 45 كنيسة تابعة لهذه الطوائف
الأكراديتركزون تاريخيًا في أحياء مثل الشيخ مقصود وريف حلب
الأرمناستقر عدد كبير منهم في حلب لاجئين بعد الحرب العالمية الأولى (قُدّر عددهم حينها بنحو 50 ألف نسمة)
التركمان والشركسجماعات أصغر عددًا، تتركز بعض قراها في شمال المحافظة
اليهودكانت لهم جالية قديمة ومهمة في المدينة، تضاءل عددها تدريجيًا بعد عام 1947 حتى غادر معظم من تبقى منها بحلول العقد الثاني من الألفية الثالثة

هذا التنوّع ليس حديثًا: فبحسب إحصاءات تعود لعام 1901، كان المسلمون يشكلون نحو 70.6% من سكان حلب، والمسيحيون نحو 22.7%، واليهود نحو 6.8%. ومع تغيّرات القرن العشرين، تبدّلت هذه النسب تدريجيًا، خصوصًا مع موجات الهجرة واللجوء والحروب المتعاقبة التي مرت بها المنطقة، وآخرها الحرب الداخلية في سوريا التي أدت إلى تراجع كبير في أعداد المسيحيين وبقية الأقليات في المدينة. هذه الأرقام تقديرية وتتفاوت بين المصادر، وتتغير مع الزمن، فلا ينبغي التعامل معها كأرقام رسمية ثابتة.

القبائل والعشائر العربية في حلب وريفها

استقرت في حلب وريفها عبر التاريخ عشائر وقبائل عربية متعددة، بعضها قدم من البادية السورية على موجات متتالية امتدت من ما قبل الفتح الإسلامي وحتى العصور الحديثة، وليس دفعة واحدة عند الفتح. لذلك يصعب حصر "القبائل الأصلية" لحلب في عدد محدود من الأسماء بدقة تاريخية موثقة، والمراجع المتخصصة في الأنساب والعشائر (مثل موسوعات القبائل العربية) توثق عشرات الأسماء من عشائر حلب وريفها، لكنها تنبّه إلى أن كثيرًا من هذه العشائر انتقل إلى المدينة أو أريافها في فترات لاحقة نسبيًا، وليس جميعها من "سكان المدينة القدامى" عند تأسيسها.

الهوية الثقافية لحلب

ساهم استقرار العرب في المدينة بعد الفتح الإسلامي في ترسيخ اللغة العربية والعادات والتقاليد الإسلامية كإطار عام لحياة المدينة اليومية، مع بقاء أثر واضح للحضارات والجاليات التي تعايشت معها: من العمارة والمطبخ الحلبي المتأثر بتراث متعدد الثقافات، إلى الحرف اليدوية والأسواق التاريخية (كسوق المدينة القديم المدرج على لائحة اليونسكو للتراث العالمي) التي تعكس طبقات تاريخية متراكبة من الوجود العربي والأرمني والكردي والمسيحي واليهودي على مر القرون.

خلاصة

لا يوجد جواب بسيط بمعنى "قبيلة واحدة" أو "عرق واحد" هو سكان حلب الأصليون. الأدق تاريخيًا القول إن حلب مدينة استوطنتها حضارات وأقوام متعاقبة منذ آلاف السنين، وأن العرب المسلمين أصبحوا المكوّن الأكبر لسكانها بعد الفتح الإسلامي عام 637م، متعايشين مع جاليات مسيحية وكردية وأرمنية وتركمانية وغيرها ساهمت جميعها في تشكيل الهوية الثقافية المتنوعة لحلب حتى اليوم.

المصادر