أغنى عوائل حلب: لمحة عن ثرواتهم وتأثيرهم في المجتمع

أعمال

أغنى عوائل حلب: لمحة عن ثرواتهم وتأثيرهم في المجتمع

حلب من أقدم مدن العالم المأهولة، وقد اشتهرت منذ عصر المماليك والعثمانيين بموقعها التجاري على طرق القوافل الواصلة بين الشرق وأوروبا. هذا الموقع صنع طبقة من العائلات التجارية والحرفية التي توارثت أعمالها جيلاً بعد جيل، وبعضها ما زال معروفاً حتى اليوم داخل سوريا أو في مهاجر أفرادها حول العالم.

لا تتوفر بيانات موثوقة ومحدّثة عن "أغنى" عائلة حلبية بالأرقام، فهذا النوع من التصنيفات المالية الدقيقة لا يُنشر عادة عن العائلات السورية. لذلك يركز هذا المقال -بدلاً من تقديم أرقام أو ترتيب غير موثق- على العائلات التي تُوثّق مصادر تاريخية وإعلامية معتبرة دورها التجاري والصناعي الطويل في حلب، إلى جانب عائلة حلبية الأصل عُرفت عالمياً في القطاع المصرفي.

جذور الثروة الحلبية: التجارة والحِرف الموروثة

اعتمد الاقتصاد الحلبي تاريخياً على شبكة من الأسواق المسقوفة (مثل خان الحرير) التي كانت مراكز لتجارة الحرير والأقمشة والتوابل. توارثت عدة عائلات حلبية إدارة محال هذه الأسواق أباً عن جد، وهي ظاهرة لا تزال قائمة جزئياً حتى اليوم رغم أن الهجرة بعد سنوات الحرب دفعت كثيراً من أبناء هذه العائلات إلى فتح فروع لأعمالهم في مصر والعراق وتركيا وإقليم كردستان العراق، ما جعل بعض المحال التراثية في خان الحرير تُدار حالياً من أقارب أو شركاء بدلاً من الورثة المباشرين.

صناعة صابون الغار: حِرفة عائلية عمرها قرون

من أوضح الأمثلة الموثقة على "ثروة" منقولة عبر الأجيال في حلب هي صناعة صابون الغار الحلبي، التي تعود جذورها إلى نحو ألفي عام. عدد من العائلات الحلبية المعروفة توارثت هذه الحرفة تحديداً، ومصابنها لا تزال قائمة في أحياء المدينة القديمة:

العائلةالحرفة/الموقع التاريخي
جبيليمصبنة في حي باب قنسرين، ويُذكر أن عمر الحرفة في العائلة يقارب 800 عام
زنابيليمصبنة في حي باب النصر، من أقدم مصابن حلب
فنصةمن العائلات الراسخة تاريخياً في صناعة صابون الغار
صابونيمصبنة في باب قنسرين؛ من العائلات التي توارثت هذه الصناعة عبر أجيال عديدة

هذه الحرفة تعتمد على زيت الزيتون من ريف حلب الغربي والشمالي، وزيت الغار المستورد من الغابات الساحلية بين أنطاكيا وكسب. ومع ذلك، تُشير تقارير صحفية إلى أن إنتاج الصابون الحلبي التقليدي تراجع بشكل كبير خلال سنوات الحرب بسبب صعوبة الوصول إلى المواد الخام وتراجع التصدير، دون وجود رقم رسمي دقيق ومحدث للإنتاج الحالي.

عائلة صفرا: من حلب إلى القطاع المصرفي العالمي

من أبرز الأمثلة الموثقة تاريخياً وعالمياً على عائلة حلبية الأصل امتد تأثيرها الاقتصادي إلى خارج سوريا هي عائلة صفرا، وهي عائلة يهودية سورية تعود جذورها إلى حلب وعملت قديماً في تمويل التجارة بين حلب وإسطنبول والإسكندرية.

أسّس يعقوب صفرا "بنك صفرا" في بيروت عام 1920. ابنه إدموند صفرا (1932-1999) وُلد في بيروت، وبدأ العمل في بنك والده في السادسة عشرة من عمره، ثم انتقلت العائلة إلى إيطاليا فالبرازيل، حيث أسّست أول مؤسسة مالية لها هناك عام 1955، قبل أن يستقر إدموند في جنيف عام 1956 ويبني إمبراطورية مصرفية قُدرت قيمتها بنحو 2.5 مليار دولار في مطلع التسعينيات، عبر مؤسسات من بينها بنك ريببليك ناشونال أوف نيويورك الذي أسسه عام 1966. توفي إدموند صفرا عام 1999 في موناكو إثر حريق متعمد أدانت المحكمة ممرضه الأمريكي بإشعاله عام 2002.

هذا المثال يوضح كيف يمكن لثروة عائلية حلبية المنشأ أن تتحول -عبر الهجرة والاستثمار المصرفي الدولي- إلى نفوذ اقتصادي عالمي، لكنه لا يعني أن عائلة صفرا لا تزال مرتبطة تجارياً بحلب اليوم؛ فهي عائلة مصرفية دولية منذ عقود طويلة.

أسماء عائلات حلبية عريقة أخرى

تذكر مصادر تاريخية ومعاجم الأنساب الحلبية عائلات أخرى اشتهرت تاريخياً بالتجارة أو المكانة الاجتماعية في المدينة، مثل آل الجابري وآل الكيخيا وآل القدسي وآل الكيالي وآل مراش، إلى جانب عائلات حملت أسماء مهنها الأصلية كالسراج والعطار والقباقبجي. لمزيد من التفاصيل عن أصول العائلات الحلبية وتاريخها الاجتماعي، يمكن الاطلاع على مقال AraBay من هم عائلات حلب الأصليون؟.

خلاصة

تأثير العائلات الحلبية الثرية لا يُقاس بالثروة المالية وحدها، بل بامتداد حِرفها وأسمائها التجارية عبر أجيال طويلة، وبقدرتها -رغم الحرب والهجرة- على الحفاظ على جزء من هذا الإرث داخل أسواق حلب القديمة وخارجها. أي رقم أو تصنيف دقيق لثروات هذه العائلات اليوم يجب التعامل معه بحذر، لأن معظم البيانات المتاحة عنها تاريخية أو جزئية وليست كشوفات مالية منشورة.

المصادر