لماذا نفي نزار قباني من سوريا

معلومة

لماذا نفي نزار قباني من سوريا؟

يتردد على نطاق واسع أن الشاعر السوري نزار قباني (1923-1998) "نُفي" من سوريا، لكن هذا غير دقيق تاريخيًا. الموثق في سيرته أن قباني استقال طواعية من عمله في السلك الدبلوماسي السوري عام 1966، ثم عاش لاحقًا فترة طويلة خارج بلاده وصفها هو نفسه بـ"المنفى الاختياري"، لا بنفي رسمي فرضته عليه الحكومة. هذا المقال يوضح الوقائع الموثقة، ويصحح الالتباس الشائع حول هذه القصة.

من هو نزار قباني

وُلد نزار بن توفيق قباني في 21 مارس 1923 في حي مئذنة الشحم بدمشق القديمة، لأسرة دمشقية عريقة. درس الحقوق في الجامعة السورية وتخرج فيها عام 1945، وهو العام نفسه الذي التحق فيه بوزارة الخارجية السورية ليبدأ مسيرة دبلوماسية طويلة، إلى جانب مسيرته الشعرية التي جعلته أحد أبرز شعراء الحب والسياسة في الأدب العربي الحديث.

مسيرته الدبلوماسية قبل الاستقالة

عمل قباني ملحقًا ثم سفيرًا لسوريا في عدة عواصم على مدى نحو عشرين عامًا، من بينها:

الفترةالمكان
1945القاهرة، مصر (أول تعيين، ملحقًا)
1952لندن، بريطانيا
أنقرة، تركيا
1958بكين، الصين
1962مدريد، إسبانيا

كما تنقّل في مهام دبلوماسية بين فرنسا وألمانيا وبلجيكا والسويد والدانمارك. خلال هذه السنوات واصل كتابة الشعر ونشر عدة دواوين لاقت جدلًا واسعًا بسبب جرأتها في تناول المرأة والجسد، أبرزها "خبز وحشيش وقمر"، الذي أثار انتقادات من رجال دين ومحافظين، لكنه لم يؤدِّ إلى أي إجراء رسمي بحقه من الدولة السورية.

استقالته من السلك الدبلوماسي عام 1966

في عام 1966 قدّم نزار قباني استقالته من العمل الدبلوماسي ليتفرغ كليًا للشعر، وانتقل للإقامة في بيروت حيث أسس دار نشر خاصة باسمه، "منشورات نزار قباني". لم تكن هذه الاستقالة نفيًا فرضته السلطات السورية عليه، بل قرارًا شخصيًا لإنهاء ازدواجية العمل الدبلوماسي والكتابة الحرة. ومع ذلك وصف قباني لاحقًا حياته خارج سوريا بأنها كانت أقرب إلى "منفى اختياري"، وهي العبارة التي يبدو أنها أصل الالتباس الشائع حول "نفيه".

هزيمة 1967 وقصيدة "هوامش على دفتر النكسة"

بعد هزيمة العرب في حرب 1967، كتب قباني قصيدته السياسية الطويلة "هوامش على دفتر النكسة" (صدرت 1967 عن منشوراته في بيروت)، وهي نقد ذاتي لاذع للتقصير العربي أثار غضب أطراف عربية عديدة. الجدير بالتوضيح أن رد الفعل الرسمي الأشد على هذه القصيدة جاء من مصر لا من سوريا: صدر قرار بمنع نشر وبيع دواوين نزار وبث أغانيه في الإذاعة والتلفزيون المصريين، قبل أن يُلغى القرار بأمر من الرئيس المصري جمال عبد الناصر شخصيًا. لم تُسجَّل إجراءات مماثلة من الحكومة السورية بحق قباني بسبب هذه القصيدة.

وفاة بلقيس الراوي وانتقاله إلى لندن

نقطة التحول الأكبر في حياة قباني الشخصية لم تكن سياسية سورية، بل مأساة عائلية: قُتلت زوجته الثانية بلقيس الراوي، الشاعرة العراقية، عام 1982 في تفجير استهدف السفارة العراقية في بيروت حيث كانت تعمل، إبّان الحرب الأهلية اللبنانية. بعد هذه الفاجعة رثاها قباني بقصيدته الشهيرة "بلقيس"، وغادر بيروت متنقلًا بين جنيف وباريس، قبل أن يستقر أخيرًا في لندن، حيث أمضى نحو خمسة عشر عامًا هي آخر سنوات حياته.

وفاته ودفنه في دمشق

توفي نزار قباني في لندن يوم 30 أبريل 1998 عن عمر 75 عامًا إثر نوبة قلبية. وبناءً على وصيته، نُقل جثمانه إلى دمشق ودُفن فيها، المدينة التي وصفها في وصيته بأنها "الرحم الذي علّمني الشعر... علّمني الإبداع". كرّمته محافظة دمشق لاحقًا بتسمية الشارع الذي وُلد فيه باسمه.

خلاصة: هل نُفي فعلًا؟

لا يوجد في المصادر الموثقة ما يثبت قرار نفي رسمي أصدرته الحكومة السورية بحق نزار قباني. ما حدث هو استقالة اختيارية من السلك الدبلوماسي عام 1966، ثم إقامة طويلة خارج سوريا -بين بيروت وجنيف وباريس ولندن- دفعتها ظروف شخصية ومهنية، وصفها الشاعر نفسه بـ"المنفى الاختياري". يبقى إرثه الشعري، بين قصائد الحب وقصائد النقد السياسي مثل "هوامش على دفتر النكسة"، من أبرز ما أنتجه الشعر العربي في القرن العشرين.

المصادر