مقبرة جبل العظام في حلب: أسرار وتاريخ مثير

ثقافة

مقبرة جبل العظام من أقدم المقابر الإسلامية وأكبرها في مدينة حلب، وتقع على تلة تُعرف باسم "الجبل الأحمر" في محلة الشميصاتية، شمال شرق المدينة القديمة، بالقرب من منطقتي ميسلون وأغيور. اكتسبت المقبرة اسمها من كونها مدفنًا قديمًا احتوت تربته على كميات كبيرة من العظام البشرية عبر قرون من الاستخدام، وتذكر روايات أهل حلب أنها كانت في وقت من الأوقات مدفنًا لأصحاب الرتب والمناصب العالية في المدينة.

يجمع الموقع بين طبقة تاريخية إسلامية (المقبرة والتكية المجاورة لها) وطبقة جيولوجية أقدم بكثير، إذ عُثر في تربة المنطقة على مستحاثات لكائنات بحرية يقدّر عمرها بملايين السنين، وهو ما يفسر جزءًا من الغموض والفضول اللذين يحيطان بالمكان في الذاكرة الشعبية لأهل المدينة.

الموقع والتسمية

تقع مقبرة جبل العظام على المرتفع المعروف بـ"الجبل الأحمر" في محلة الشميصاتية بحلب. يربط أهل حلب اسم "جبل العظام" بكون المكان مقبرة قديمة تراكمت فيها العظام البشرية عبر أجيال متعاقبة من الدفن، فيما تشير بعض الروايات الشعبية إلى أنها خُصصت تاريخيًا لدفن أصحاب المكانة الاجتماعية أو الوظيفية المرتفعة في المدينة. هذه الرواية شفهية متداولة أكثر منها موثقة بمصدر رسمي واحد، لذا يجدر التعامل معها كجزء من التراث الشفهي لا كحقيقة قطعية.

تحتوي تربة المنطقة أيضًا على مستحاثات بحرية تعود إلى عصور جيولوجية سحيقة، وهو أمر منفصل تمامًا عن تاريخها كمقبرة إسلامية، لكنه يضيف بعدًا آخر لأهمية الموقع علميًا.

تكية الشيخ يبرق: المعلم الأثري المجاور

يضم الجبل نفسه معلمًا أثريًا وروحيًا معروفًا هو تكية الشيخ يبرق (وتُعرف أيضًا بالزاوية البراقية)، المنسوبة إلى الشيخ محمد بن أحمد الرفاعي الأحمدي الملقّب بـ"الشيخ يبرق". تعود جذور إنشاء الزاوية إلى العصر المملوكي في عهد السلطان الملك الظاهر خشقدم، وتباينت المصادر التاريخية في تحديد سنة إنشائها بدقة، فيما اتفقت على أنها من الأزمنة المملوكية المتأخرة.

في القرن التاسع عشر، ومع دخول حملة إبراهيم باشا بن محمد علي إلى بلاد الشام وسيطرتها على حلب، تحوّل محيط التكية إلى ثكنة عسكرية عُرفت باسم "القشلة"، ثم عُرفت لاحقًا باسم ثكنة الحنانو. أُعيد ترميم مبنى التكية لاحقًا وتحوّل إلى مسجد ومقام يُعرف باسم "جامع البيت"، وارتبط في الذاكرة الشعبية بمعتقدات محلية حول الشفاء من الأمراض المستعصية، حيث كان يقصده الأهالي من مناطق مختلفة للتبرك، بحسب الروايات الشعبية والمصادر التاريخية المحلية.

شخصيات مدفونة في المقبرة

من أبرز الأسماء الموثقة تاريخيًا في سياق مقبرة جبل العظام: الفنان والمنشد الحلبي بكري الكردي (1909 - 1978)، أحد أبرز ملحني ومنشدي القدود الحلبية في القرن العشرين، وُلد في جسر الشغور وانتقل إلى حلب حيث عمل مؤذنًا وتعاون مع الشاعر حسام الدين الخطيب في تلحين عدد من القدود الحلبية، كما عمل في إذاعة حلب منذ تأسيسها عام 1949. تذكر مصادر موثقة أنه دُفن في مقبرة جبل العظام بحلب.

دور المقبرة في الذاكرة المعاصرة

مثل عدد من مقابر حلب القديمة الأخرى، لعبت مقبرة جبل العظام دورًا في أحداث النزاع السوري الذي اندلع عام 2011، إذ لجأ إليها في مراحل من الأزمة سكان ومتظاهرون بحثًا عن ملجأ من الاشتباكات والقصف في محيط المدينة القديمة. هذا الجانب من تاريخها المعاصر مرتبط بسياق سياسي وأمني معقّد ومتغيّر، ولا تتوفر بشأنه أرقام أو تفاصيل دقيقة يمكن التحقق منها بشكل مستقل، لذا يُذكر هنا بصورة عامة ومحايدة.

كما تشير تقارير محلية إلى أن أجزاء من تربة المقبرة تعرضت مع الوقت لتصدعات وتعديات، وهو ما يعكس تحديات الحفاظ على المقابر التاريخية في المدن السورية القديمة بشكل عام في ظل ظروف الحرب وما تلاها، دون توفر تفاصيل رسمية محدثة يمكن التأكد منها بشكل مستقل حاليًا.

خلاصة

مقبرة جبل العظام ليست مجرد موقع دفن، بل طبقة من طبقات تاريخ حلب تتقاطع فيها العمارة الدينية المملوكية (تكية الشيخ يبرق)، والذاكرة الشعبية عن أصحاب المقامات الرفيعة، وسير أعلام فنية وثقافية مثل بكري الكردي، إضافة إلى بعد جيولوجي يعود لملايين السنين قبل أن يكون للمكان أي تاريخ بشري على الإطلاق. هذا المزيج هو ما يمنح الموقع أهميته الثقافية والتاريخية في وعي أهل حلب.

المصادر